الفنان التشكيلي

غازي السَّعودي

2023 - 1935

كتبت أبنة الفنان عن

غازي السَّعودي​

ولد أبي الفنان غازي السعودي في قلب مدينة بغداد في منطقة الصدرية (المدينة القديمة لبغداد) في العام (1935) ومن صغره كان عاشق للفن وبالذات الفن التشكيلي وقد تم صقل موهبته عند دخوله معهد الفنون التشكيلية. معهد الفنون الجميلة / بغداد سنة1953
قد كان حبه لمعشوقته بغداد واضحا في معظم اعماله ومن شدة حبه لها اغدق لها اكثر من جدارية لتزين شوارعها ولتصبح احد جواهرها التي تتزين بها معشوقته بغداد. وسنوضح اكثر عن هذا العشق لاحقا
حصل على منحة دراسية الى ايطاليا في بداية ستينات القرن الماضي في اكاديمية الفنون الجميلة في روما وهناك التقى بمعظم فناني العصر الحديث من رواد الفن العراقي المعاصر منهم:
الفنان محمد غني حكمت ,خالد الرحال ,سعد الطائي , ميران السعدي , صادق ربيع ,اسماعيل فتاح الترك وقد تشارك مع الاخير في السكن في روما طيلة سنوات الدراسة وظلت علاقته متينة مع جميع زملائه طيلة فترة حياتهم.
تعرف على زوجته الايطالية (مارجيلا جوفاني) مواليد 1938 حاصلة على بكالوريوس في تصميم الازياء وعملت من ضمن مجال اختصاصها في تصميم وتنفيذ الازياء في دور الازياء المعروفة في روما وبحكم عملها والذي كان بالقرب من مكان اقامة الفنان تم لتعارف , وقد تشاركا في حبهما للفن. وقد كانت خير الزوجة الصابرة لتقلبات الفنان ومزاجياته والوفية للعائلة والزوج طيلة حياته
حيث هيأت له كل اسباب الراحة من مكان وهدوء ليستطيع ان يبدع في انتاجه. حيث ان المشغل الخاص لعمله كان جزء من البيت العائلي وبمساحة 90 م2 من مساحة البيت الكلي ..ب الافران والمعدات والوان السيراميك الخاصة لعمله.
من ضمن العائلة ابنته عايدة وابنه معن –ابنته عايدة من مواليد 1966 ولادتها بغداد العراق وحاصلة على بكالوريوس هندسة – جامعة بغداد
ابنه معن غازي من مواليد 1968 ولادته روما –ايطاليا وحاصل على بكالوريوس الهندسة –الجامعة التكنولوجية
منذ اليوم الاول لولادتي (انا ابنته عايدة) ووالدي يغدق في حبه وعطفه لي ودوما كان يعتبرني اول انتاجه الفني وكان يلقبني دوما بملاك بورتشيللي. الموجودة في لوحات الفنان الايطالي بورتشيللي.
ويعتبر لون عيوني ذات اللون الاخضر المائل الى الشذري هي احدى الوان لوحاته ..
اتذكره دوما متواجد في العائلة ..بالرغم ان معظم الاوقات كان يتواجد في مشغله الخاص للعمل ..واتذكر والدي وهو يدخل المشغل وكأنه يدخل الى المحراب للتعبد ..كان ممنوع على الجميع الدخول الى المشغل او اصدار الاصوات العالية اثناء تواجده في المشغل ..
اتذكر سماع صوت المذياع على صوت اذاعة مونت كارلو او اذاعة امريكا او سماع الاغاني العراقية القديمة من المسجل اثناء تواجده في المشغل للعمل ..
لقد اسميته منذ صغري المشغل الخاص بوالدي بالمحراب الذي يدخل اليه لينتج من اجمل الاعمال والتي قسم منها توج بها العاصمة بغداد
لقد ترعرعت بين الكتب الفنية واللوحات الفنية لمعظم الفنانين الايطاليين الكبار وقد كنت بصحبته في معظم تجواله في المتاحف الايطالية والمعارض الفنية سواء كان في ايطاليا او بغداد ..واتذكر بانه كان خير دليل سياحي لي ..حيث كان يتوقف في كل لوحة من لوحات الفنانين الكبار في ايطاليا ليشرح لي عن العمل ..
لقد ترعرعت بين لوحات مايكل انجلو وبورتشيللي وليوناردو دافنشي ..وبين الالوان المرحة والجميلة والتي يستخدمها والدي كثيرا في اعماله منها اللون الاحمر والذي تفرد والدي فيها في اعمال السيراميك ..
بالرغم من شخصية والدي المنطوية والمنعزلة عن العالم ولكن كانت لوحاته شقية وجميلة وكثيرة الالوان ..
كان جدا محب لمدينته بغداد بل كان عاشق لها وهذا واضح جليا في اعماله المليئة بالمساجد البغدادية والافراد والمهن البغدادية القديمة
وحتى المأكولات البغدادية كانت متواجدة في اعماله منها اكلة السمك المسكوف
كانت امنيته في ارشفة اعماله وعمل كتاب يضم اعماله وخاصة في سنواته الاخيرة ولكن شاء القدر ان يتوفى قبل حصول ذلك . وحتى في وفاته لم يفارق معشوقته بغداد .حيث كانت وصيته ان يدفن بالقرب منها بالرغم ان معظم افراد عائلته مدفونين في النجف الاشرف ،حتى عند وفاته لم يقبل ان يفارق معشوقته بغداد ، هذا هو الفنان عاشق بغداد الفنان غازي السعودي

عائلة
غازي (335)

فنان الجداريات

ينتمي الفنان غازي السعودي (1935 – 2013) الى جيل ما بعد الريادات الفنية، مسهماً مع الجميع في البحث عن ملامح هوية تشكيلية عراقية، أو ظلال هوية، إنطلاقاً من البنيات الإجتماعية والمرموزات المحلية، وتوطين تلك الهوية في ضوء المزاوجة بين تقانات الآخر التي تعلمها أثناء دراسته في إيطاليا والنظر الى تراثه الشرقي والاسلامي والعربي بعين فاحصة ومتأملة لكل ما يأتي من هناك، ليستطيع توطين هوية هذا الفن (الجداري) على الأقل، إنطلاقاً من تلك الرؤية والمساحة التي تسمح بها الظروف المحيطة. ولتعدد مسارات الرؤية ومنابع المرجعيات، فقد تعددت مناخاته وطرق تعبيره عن الواقع. فالتراث العراقي والميثولوجيا والأُسطورة وحكايات ألف ليلة وليلة البغدادية، والحياة الشعبية كلها مصادر للخطاب البصري الذي إتخذه طريقاً لتحقيق علاقته بأسئلة الوجود، وممثلاً لحضوره الإنطولوجي. فكمنت خصوصيته ووجوده من خلال تلك التمثلات الجمالية التي أنجزها عبر مسيرته الفنية التي قاربت نصف قرن وأكثر من ذلك.
كان (السعودي) شاهداً على العصر يروي ما يراه، ويستوقفه، وما يمر به الوطن والناس ضمن هذا الصراع وخضم هذه التناقضات والأحداث التي سجلت سيرة الوطن الحافل بالحروب، والثورات، والتبدلات الاجتماعية. لذلك لا بد أن يختار جنسه الفني الممثل لتلك السيرورات وتجسيدها، ولأنه درس (الفن الجداري) بشكل علمي وحصل فيه على شهادته العليا وقام بتدريسه في (معهد وكلية الفنون الجميلة) فقد إتخذ منه أساساً في الغواية والممارسة العملية، خصوصاً وأنه جاء مع بداية اللحظة الحداثية التي رافقت الفن العراقي والبحث عن هوية جمعية وهويات خاصة تأصيلاً وتوطيناً، لكي تكون حداثة مستوية (لا مقعرة، أو محدبة) إنطلاقاً من مرجعيات الموروث المتعددة وخصائصه المنشطرة الى (عربي، واسلامي، وعراقي، وبغدادي، وشعبي) ما يلقي بظلاله بكل تأكيد على تجربته الخاصة والمميزة، إذ ما زالت فضاءات بغداد الداخلية والخارجية تتزين بمشغولاته الجدارية المقاومة للظروف المناخية، ويتردد صدى أسمه وأعماله المنجزة في كل حديث عن الفن الجداري.

مقالات وآراء

صلاح

غازي السَّعودي، واحد من أهم الفنانين العراقيين

صلاح عباس

فنان وناقد من العراق

يعد الفنان الراحل غازي السَّعودي، واحد من أهم الفنانين العراقيين من حقبة الستينات، أي من الرعيل الثاني بعد جيل الرواد، ولقد عرف عنه تخصصه الدقيق في مجال الفن الجداري، وأسهم بقسط وافر من الابداع الفني وانجاز الكثير من الجداريات الكبيرة التي تزين جدران المطارات العراقية في مختلف المدن والكثير من واجهات القصور والشوارع والساحات العامة وبوابات الحدائق والمتنزهات العامة وبخاصة بوابات حدائق الزوراء في قلب مدينة بغداد، والى جانب ذلك فانه انشغل بفنون الرسم تخطيطاً وتلويناً وزاول مختلف أفرع الفنون التشكيلية كالنحت والخزف وفنون الطباعة اليدوية وأعمال السجاد والحلي ومختلف أنواع التصاميم الفنية والمعمارية، حتى أنه ترك وراءه أعداداً كبيرة جداً، من الأعمال الفنية القيمة في أغلب أفرع الفنون التشكيلية، محققا إنتاج آلاف القطع الفنية المميزة بطابعها البغدادي وروحها العراقية الأصيلة.
أن عمليات تتبع مساراته الفنية واقتفاء أثره ليست صعبة، بل إنها في غاية السهولة لان كل أوليات تاريخه الشخصي وسيرته الذاتية متوافرة ومحفوظة لدى عائلته بمنتهى الحرص وهذا السفر الشخصي يتوزع على صور ووثائق وملفات عديدة تضم أدلة المعارض الشخصية والجماعية التي شارك بها الفنان على مدى مسيرته الفنية وكذلك تضم الملصقات والشهادات التي نالها وأغلفة الكتب التي صممها، ناهيك عن الاعمال الفنية التي احتفظ بها منذ مراحل دراسته الأكاديمية المبكرة في روما، مروراً بكل سنوات عمره، وكما نعرف بان الاعمال الفنية تمثل إرث الفنان وذاكرته وتحولاته الاسلوبية وتوظيفه للمواد الخام المتنوعة واهتمامه بالمواضيع الفولكلورية والتراثية والتنبه لقيم المواضيع ذات الطابع الثوري والحماسي التي تعنى بتاريخ البلاد والمجتمع وعلى هذا الاساس فان الفنان غازي السعودي كرس جهودا جبارة من اجل المشاركة الوطنية وتمجيد الاحداث والوقائع المفصلية في حياة المجتمع العراقي وتجسيدها من خلال الفن على النحو الذي اشتغلت عليه جماعة بغداد للفن الحديث واستجابة للدعوة المقدمة من لدن فنان الشعب جواد سليم والتي تحث على النهل من المنابع الفنية الصافية ممثلة بالمدرسة البغدادية التي اشتغل عليها الرسام الاول يحيى بن محمود الواسطي، وذلك لإكساب الفن الهوية الوطنية المؤكدة على الأصالة.
وهكذا دأب الفنان غازي السعودي، على استلال مواضيعه من حياة المجتمع ومن سفر تاريخه وثقافته المجتمعية بما يتضمن من فيض قصصي مكرس لقصص الحب العشق والبطولة، وكان يهمه التغني ببغداد بنهرها الخالد دجلة الخير والجسور القائمة عليها وتهمه ايضا ملامح المدينة الحافلة بالمآذن والقباب والشناشيل المطلة على الفضاءات البغدادية المكتظة بالحياة، حتى تبدو أعماله الفنية وكأنها احتفال بأجواء مخملية بعيدا عن صداع الرأس ووجع الدماغ، يبدو لي من خلال معرفتي الشخصية بالفنان وتطلعي لأغلب انتاجه الفني، بأن الفنان كان متابعا قريبا لحياة المجتمع، وحيث إهتمامه بالفنون والحرف والصنائع الشعبية وحيث تركيز انتباهه للعادات والتقاليد الشعبية، فنرى في أعماله الفنية كل هذا التنوع المصحوب بالرؤى الفنية الجديدة مع الاحتفاظ بالطابع المحلي لاسيما في مجال اضفاء اللغة التعبيرية المبسطة التي يستوعبها المتلقي البسيط، وهي تكاد أن تتشابه الى حد ما مع ما جادت به فنون الرسم الشعبية التي كانت سائدة في حقبة الستينات وبخاصة الرسم على السيارات او جدران المسارح ودور السينما او رسم بنت المعيدي او الرسم الشعبي الديني الى جانب التأثر برسوم المنمنمات في بطون الكتب.
إلا أن نقاط التباين والاختلاف بين هذه الفنون ذات الاصول الشعبية وبين ما أنتجه الفنان غازي السعودي كانت نقاطا واضحة، حيث ان الفنان غازي السعودي كان جريئا في وضع الالوان والخطوط وتوظيف مختلف المواد الخام ومختلف سبل الاداء الفني والتقني على السطوح التصويرية، اسوة بما كان يفعله اساتذته الذين تعلم منهم ابجدية الفن.

تراث

غازي السَّعودي ريادة التشكيل الجداري المعاصر في العراق

تراث الأمين

فنان وناقد من العراق

لعل تجربة الفنان غازي السعودي من التجارب الريادية التي لها تركيبتها البنائية التي تظهرها بمظهر التماسك البصري , وهذا الفنان الذي نجد في رصيده الفني خزينا من المتواليات الصورية , ونجد في تجاربه متراكم من الخبرة والمتحولات الجمالية في التعاطي مع الخامات , فهو حصيلة مسيرة حافلة بالتعبئة الصورية والتقنية والاكاديمية , فضلا عن انفتاح رؤاه البصرية والادائية بعد اكمال دراسته في روما حيث ابتعث عام 1961/1962 للحصول على شهادة دبلوم في اختصاص فن الموزاييك ,وبعدها حصوله على شهادة البكالوريوس في فن الفريسكو عام 1963 /1964 , ليكون غازي السعودي مرتكزا مهما من مرتكزات الريادة التشكيلية لفن الجداريات المعاصر في العراق .
لم يكن غازي السعودي من الفنانين اللذين يتعاطون مع المعطى المباشر حسياً , لهذا نجد في اعماله ثمة ولادات تخيلية تنتجها قدرته الابداعية في التحليل واعادة التركيب , فهو ينظم في سطوحه الجدارية تكثيفا بصريا للمفردات التي يحكمها انشاءً تكوينيا يلتقطه المشاهد عبر وحدته البصرية التي تجعل من المشهد مكتفيا بذلك الغنى اللوني والخطي والمتقابلات المتضادة في الكتل والاشكال .. وهنا يجدر بنا الاشارة الى ان غازي السعودي يمتلك المقدرة التأليفية للمشاهد البصرية , فالمتفحص في اعماله الجدارية يتلمس العلاقات التوالدية في النظم التكوينية لنتاجاته , وهذا حصيلة القدرة الانتاجية للمخيلة الفنية له , وربما هي واحدة من اهم سماته الاسلوبية التي جعلته مرتكزا في التشكيل الجداري .
واننا اذ نستعرض اعمال الراحل غازي السعودي , نقف عند ثيمة مهمة وهي صفة التحويلية , التي تضمن الديناميكية البصرية داخل بنية المنجز الفني , اذ ان المساحات التصويرية في جداريات غازي السعودي تتحرك ديناميكيا لتضمن عاملي الزمن والتغيير , والتغيير هنا هو التغير في الامكنة والحركة الجسدية للكائنات والمفردات داخل المحيط البصري لاعماله , وهو ما يعطينا احساسا بالزمن داخل صور التغيير وبشكل موضوعي .
ومن دون شك ان اعمال (السعودي) تكتسب صفتها الديناميكية عبر محصلتين , الاولى هو الاظهار التكويني لأعماله التي يكون فيها لصفة التراكبية الخطية واللونية دورا في تداخل الكتل والمساحات وعبر تراكب من المستويات يمنحنا احساسا بتلك الديناميكية التي جعلت من اعمال غازي السعودي تقرأ عبر اتجاهات عدة , وهو ما يؤسس في اعماله ملاحظة مهمة وهي اغراق المتلقي في جملة من العلاقات الرئيسية والثانوية والتي قد تحيط مجال الرؤية فتجعلنا نشتبك لا شعوريا بحل تلك التشابكات في الخطوط والالوان والمستويات المتراكبة , فإذا تأملنا احدى جدارياته الست في متنزه الزوراء على سبيل المثال والذي كلف بتنفيذها عام 1970 , نتلمس جليا تلك الديناميكية التي كانت كفيلة بأن تمنح السطح البصري طابعا زمانيا ينطلق من المكاني الساكن الى الزماني المتحرك .. وهنا كان غازي السعودي في اغلب سطوحه التصويرية والجدارية منها بوجه خاص , يستند تحليلا وتركيبا على العملية التحويلية التي اشرنا الى انها واحدة من ثيماته البارزة , اذ يقود الى التركيز على العناصر والمفردات المنتقاة من المحيط البيئي والبصري والتي تكون قابلة للتحول في صيغة الحركة , لهذا فأن الفنان غازي السعودي لم يكن بعيدا عن الصفة الحركية التي تشهدها نظم التشكيل الجداري بدءً من الحضارية العراقية القديمة ومرورا بالحضارة الاسلامية ووصولا الى الحداثة في الفن .
وبالاشارة الى المحصلة الديناميكية الثانية , والتي تخص هنا جنس الجداريات من الموزاييك والتي برع الفنان غازي السعودي في تنفيذها لتكون شاهدة معمارية مقترنة بصريا ومكانيا بالمحيط التي تشغله ضمن حدود المكان .. فالموزاييك هو فن الفسيفساء والذي ينفذ عبر تجميع قطع صغيرة من البلاط المزجج او البلاط الزجاجي الملون , ويتم ترتيبها بالتجاور تبعا للانشاء المعد سلفا من قبل الفنان , وثمة طريقتان استخدمهما الفنان غازي السعودي في تنفيذ جدارياته من الموزاييك , الاولى وهي الطريقة المباشرة التي تعتمد على لصق القطع الصغيرة بشكل منفرد مباشرة على السطح الجداري للعمل , بعد رسم مخطط اولي للإنشاء على السطح , واما الطريقة الثانية وهي غير المباشرة والتي تعتمد على لصق قطع الموزاييك على دعامة لاصقة وبشكل عكسي ( مقلوب ) , فيكون وجه العمل الاصلي للأسفل , وبعد الانتهاء من الانجاز ينقل العمل الى السطح الجداري ويثبت عليه ويظهر الوجه السفلي للأمام وترفع عنه المادة الداعمة او اللاصقة .. وعليه نجد ان جداريات الفنان غازي السعودي من الموزاييك تتحرك ديناميكيا وفق تقنيتها التي تعتمد على المتجاورات اللونية للبلاط المزجج , والتي تشكل بمتجاوراتها مساحات لونية متعددة الدرجات , وهنا يكون ثمة دمج لوني بصري يكتسبه المتلقي عبر مشاهدته للوحدة الانشائية المتكاملة عن بعد , ولهذا نجد بأن الفعل الادائي والرؤية الفنية وتراكم الخبرة لدى الفنان غازي السعودي مكنته من تنفيذ تلك الغنائية اللونية والديناميكية البصرية والحيوية الانشائية في جداريات الموزاييك التي نفذها في اماكن عديدة داخل بغداد ..

download-3.jpg

غازي السََّعودي الفن الجداري وبانوراما الواقع

د. جواد الزيدي

أكاديمي وناقد من العراق

ينتمي الفنان غازي السعودي (1935 – 2013) الى جيل ما بعد الريادات الفنية، مسهماً مع الجميع في البحث عن ملامح هوية تشكيلية عراقية، أو ظلال هوية، إنطلاقاً من البنيات الإجتماعية والمرموزات المحلية، وتوطين تلك الهوية في ضوء المزاوجة بين تقانات الآخر التي تعلمها أثناء دراسته في إيطاليا والنظر الى تراثه الشرقي والاسلامي والعربي بعين فاحصة ومتأملة لكل ما يأتي من هناك، ليستطيع توطين هوية هذا الفن (الجداري) على الأقل، إنطلاقاً من تلك الرؤية والمساحة التي تسمح بها الظروف المحيطة. ولتعدد مسارات الرؤية ومنابع المرجعيات، فقد تعددت مناخاته وطرق تعبيره عن الواقع. فالتراث العراقي والميثولوجيا والأُسطورة وحكايات ألف ليلة وليلة البغدادية، والحياة الشعبية كلها مصادر للخطاب البصري الذي إتخذه طريقاً لتحقيق علاقته بأسئلة الوجود، وممثلاً لحضوره الإنطولوجي. فكمنت خصوصيته ووجوده من خلال تلك التمثلات الجمالية التي أنجزها عبر مسيرته الفنية التي قاربت نصف قرن وأكثر من ذلك.
كان (السعودي) شاهداً على العصر يروي ما يراه، ويستوقفه، وما يمر به الوطن والناس ضمن هذا الصراع وخضم هذه التناقضات والأحداث التي سجلت سيرة الوطن الحافل بالحروب، والثورات، والتبدلات الاجتماعية. لذلك لا بد أن يختار جنسه الفني الممثل لتلك السيرورات وتجسيدها، ولأنه درس (الفن الجداري) بشكل علمي وحصل فيه على شهادته العليا وقام بتدريسه في (معهد وكلية الفنون الجميلة) فقد إتخذ منه أساساً في الغواية والممارسة العملية، خصوصاً وأنه جاء مع بداية اللحظة الحداثية التي رافقت الفن العراقي والبحث عن هوية جمعية وهويات خاصة تأصيلاً وتوطيناً، لكي تكون حداثة مستوية (لا مقعرة، أو محدبة) إنطلاقاً من مرجعيات الموروث المتعددة وخصائصه المنشطرة الى (عربي، واسلامي، وعراقي، وبغدادي، وشعبي) ما يلقي بظلاله بكل تأكيد على تجربته الخاصة والمميزة، إذ ما زالت فضاءات بغداد الداخلية والخارجية تتزين بمشغولاته الجدارية المقاومة للظروف المناخية، ويتردد صدى أسمه وأعماله المنجزة في كل حديث عن الفن الجداري.
وفي مشيداته الجدارية لجأ الى موضوعات قصصية في مضامينها وتكويناتها الظاهرية، تتمثل بتفكيك الواقعة المحلية، بوصفها خطاباً إجتماعياً، واسنطاق أعماق الحكاية ومدلولاتها بكل ما تحمله من غرائبية، محققاً بذلك بنيات قصصية قائمة على ما هو مستلهم من ثوابت (المأثور الشعبي، والتراث العربي والاسلامي، والموروث الحضاري)، بيد أن خصوصية هذا الإستلهام يكمن في أُسلوبه ونزعته الذاتية التي تؤدي في النهاية الى خلاصة جمالية من خلال صياغات متفردة لوحداته الشكلية، حتى تجلى أُسلوبه الخاص الذي يتخذ من مشاهد الحياة اليومية منهلاً يغرف منه ما يريد، ومشيدات معمارية تراثية ومنمنمات إسلامية مروراً بمصورات الواسطي وتجليات مدرسة بغداد للتصوير. إعتمد في ذلك الأُسلوب تقسيم المساحة الخلفية والأرضيات هندسياً، وتشييد الكتل المتنوعة في بنية واحدة مع مع إمكانية التلاعب بالمنظور من أجل الحصول على بنيات متغايرة.
يختزن في ذاكرته ممارسات طقوسية وشعائرية وأعراف ثقافية يستحضرها لحظة الولوج الى الممارسة الفنية والتماهي معها بما يخدم الأغراض الفنية والوظائفية، فتتحول الجدارية عنده الى مرجع يستلهم هذه الموروثات كلها، موضوعاته تجسيد الحكايات الشعبية والميثولوجيا الروحية واستحضار مناخات الفنون العباسية التي جسدتها مدرسة بغداد للتصوير الإسلامي عبر مصورات الواسطي ومقامات الحريري، وحكايات ألف ليلة وليلة وغيرها من موضوعات ميثولوجية ترسم خطاباً يتسم بالغرائبية وتداعياتها الوجدانية ويحمل الشيء الكثير منها، فضلاً عما جسده من مشاهدات حية لأزقة بغداد الحديثة وحاراتها وأنساقها الاجتماعية والثقافية على السواء

downloa.jpg

جداريات غازي السَّعودي مشاهد بانورامية لبغداد، للحضارة، للجمال.

عاصم عبد الأمير

ناقد من العراق

يمثل غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري، وهو الذي درس في إيطاليا هذا التخصص، مع دراسة الرسم والموزائيك، وقد ألم في كل متطلبات هذا الجنس الجمالي وأشاعه لطلابه طوال ( 40 ) عاماً من خلال تدريسه لفن الجداريات في معهد الفنون الجميلة الذي كان يعتمد أستاذاً بولونياً، وتم تسريحه وحل السعودي بديلاً عنه، ثم عمل أستاذاً لمادة الجداريات في أكاديمية الفنون الجميلة / جامعة بغداد التي منها اختتم خدمته وسرح منها، لتنهشهُ العزلة حتى نزعه الأخير ثم رحيله إلى الأبدية عمل السعودي العشرات من الجداريات في بغداد، البصرة، تكريت (العوجة) وتعد جدارية البوابة الرئيسة للزوراء واحدة من أشهر أعماله لأنها في واجهة المتنزه الشهير حيث حشود الزوار لا تنقطع رغم الضرر الجزئي الذي لحق بها عندما أطلق الغزاة الأمريكان رشقات من الرصاص عليها.
أخذ المسعودي على عاتقه استكمال ضرورات الفن الجداري من خلال خبرته الطويلة في إنجاز الكثير من الجداريات، علاوة على المكنة التقنية التي منها معاملة السيراميك بالأفران الكهربائية، وأشاع السعودي تقاليد أساسية في التعامل مع عقود العمل لمشاريع الجداريات في تعامله مع أمانة العاصمة ومنها استيراد أكاسيد السيراميك، وأسهم هذا في نشر فن الجداريات وحقق معها ذيوعاً كبيراً رغم الاحباط الذي عاناه الفنان، بعدم تكليفه بتنفيذ أي جدارية منذ عام 1980، ومجيئ نظام صدام الذي قاد البلد بصيغة التحكم بمصائر الشعب، ونهب خيراتهم وخوض الحروب العبثية وتصفية الخصوم، وإدارة نظام الحكم بعقلية التخاصم. يقول السعودي عن تلك السنوات: لقد نصب النظام الشمولي شخص جاهل اسمه سمير الشيخلي وأميناً عاماً على أمانة العاصمة ولقد ناصب العداء وقبل كل شيء للجداريات وليس لرفع النفايات من الشوارع !!
غازي السعودي، الذي أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة/ بغداد عام 1956، وتتلمذ على يد فائق حسن ، وإسماعيل الشيخلي، ساهم بشكل نشيط في معظم المعارض الوطنية والخارجية منذ أواخر الخمسينيات، وقد درس فن الجداريات، والرسم، والكرافيك في إيطاليا ملماً بكل شواغل هذا الفن المركب والصعب، والذي يحتاج إلى مهارات عالية وخبرة في التعامل العلمي والمعملي مع التفاعلات الكيميائية، والأكاسيد، ودرجة الحرارة ونوع الألوان وما إلى ذلك، علاوة على إدارة المساحات الكبيرة التي قد تتجاوز أحياناً عشرات الامتار مما يقضي الالمام بأسس التشكيل، وتركيب العناصر، والتزاوج الناجح فيما بين المساحات والكتل الشخوصية والحفاظ على البنية الموضوعية ووحدتها، والهوية وأصالة التعامل مع المرجعيات الصورية كمادة خام تعين الفنان في نشر الانشاء وضروراته كل حسب ما تقتضيه ضرورات التأليف البصري.
هذا الفنان الريادي مع د. شمس الدين فارس الذي أعدمه النظام الشمولي بوشاية أودت بحياته، قد لعبا دوراً أساسياً في ذيوع هذا الجنس الجمالي الذي يعود إلى الحضارة الرافدينية، تدريساً نظرياً وتطبيقياً، وقد عملا التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة وخرجا الكثير من دارسي هذا الفن منهم كاتب السطور نفسه. تبقى الحاجة لإرسال بعثات لاستكمال المعرفة في شؤون هذا الفن وجوانبه العملية والفنية أمراً لا مناص منه كي لا يندرس أحد أهم ألوان الفنون التي عرفها العراق عبر منعطفاته التاريخية.
أصبحت جداريات السعودي، جزءاً حيوياً من الروح البغدادية ويتعذر اكمال صورتنا التقليدية عن بغداد من دونها لهذا ينبغي على إقامة العاصمة إيجاد حلول ومعالجات وتشكيل لجان متخصصة للحفاظ على هذه الانجازات الوطنية.

جاسم.jpg

غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري

جاسم عاصي

ناقد من العراق

يمثل غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري، وهو الذي درس في إيطاليا هذا التخصص، مع دراسة الرسم والموزائيك، وقد ألم في كل متطلبات هذا الجنس الجمالي وأشاعه لطلابه طوال ( 40 ) عاماً من خلال تدريسه لفن الجداريات في معهد الفنون الجميلة الذي كان يعتمد أستاذاً بولونياً، وتم تسريحه وحل السعودي بديلاً عنه، ثم عمل أستاذاً لمادة الجداريات في أكاديمية الفنون الجميلة / جامعة بغداد التي منها اختتم خدمته وسرح منها، لتنهشهُ العزلة حتى نزعه الأخير ثم رحيله إلى الأبدية عمل السعودي العشرات من الجداريات في بغداد، البصرة، تكريت (العوجة) وتعد جدارية البوابة الرئيسة للزوراء واحدة من أشهر أعماله لأنها في واجهة المتنزه الشهير حيث حشود الزوار لا تنقطع رغم الضرر الجزئي الذي لحق بها عندما أطلق الغزاة الأمريكان رشقات من الرصاص عليها.
أخذ المسعودي على عاتقه استكمال ضرورات الفن الجداري من خلال خبرته الطويلة في إنجاز الكثير من الجداريات، علاوة على المكنة التقنية التي منها معاملة السيراميك بالأفران الكهربائية، وأشاع السعودي تقاليد أساسية في التعامل مع عقود العمل لمشاريع الجداريات في تعامله مع أمانة العاصمة ومنها استيراد أكاسيد السيراميك، وأسهم هذا في نشر فن الجداريات وحقق معها ذيوعاً كبيراً رغم الاحباط الذي عاناه الفنان، بعدم تكليفه بتنفيذ أي جدارية منذ عام 1980، ومجيئ نظام صدام الذي قاد البلد بصيغة التحكم بمصائر الشعب، ونهب خيراتهم وخوض الحروب العبثية وتصفية الخصوم، وإدارة نظام الحكم بعقلية التخاصم. يقول السعودي عن تلك السنوات: لقد نصب النظام الشمولي شخص جاهل اسمه سمير الشيخلي وأميناً عاماً على أمانة العاصمة ولقد ناصب العداء وقبل كل شيء للجداريات وليس لرفع النفايات من الشوارع !!
غازي السعودي، الذي أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة/ بغداد عام 1956، وتتلمذ على يد فائق حسن ، وإسماعيل الشيخلي، ساهم بشكل نشيط في معظم المعارض الوطنية والخارجية منذ أواخر الخمسينيات، وقد درس فن الجداريات، والرسم، والكرافيك في إيطاليا ملماً بكل شواغل هذا الفن المركب والصعب، والذي يحتاج إلى مهارات عالية وخبرة في التعامل العلمي والمعملي مع التفاعلات الكيميائية، والأكاسيد، ودرجة الحرارة ونوع الألوان وما إلى ذلك، علاوة على إدارة المساحات الكبيرة التي قد تتجاوز أحياناً عشرات الامتار مما يقضي الالمام بأسس التشكيل، وتركيب العناصر، والتزاوج الناجح فيما بين المساحات والكتل الشخوصية والحفاظ على البنية الموضوعية ووحدتها، والهوية وأصالة التعامل مع المرجعيات الصورية كمادة خام تعين الفنان في نشر الانشاء وضروراته كل حسب ما تقتضيه ضرورات التأليف البصري.
هذا الفنان الريادي مع د. شمس الدين فارس الذي أعدمه النظام الشمولي بوشاية أودت بحياته، قد لعبا دوراً أساسياً في ذيوع هذا الجنس الجمالي الذي يعود إلى الحضارة الرافدينية، تدريساً نظرياً وتطبيقياً، وقد عملا التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة وخرجا الكثير من دارسي هذا الفن منهم كاتب السطور نفسه. تبقى الحاجة لإرسال بعثات لاستكمال المعرفة في شؤون هذا الفن وجوانبه العملية والفنية أمراً لا مناص منه كي لا يندرس أحد أهم ألوان الفنون التي عرفها العراق عبر منعطفاته التاريخية.
أصبحت جداريات السعودي، جزءاً حيوياً من الروح البغدادية ويتعذر اكمال صورتنا التقليدية عن بغداد من دونها لهذا ينبغي على إقامة العاصمة إيجاد حلول ومعالجات وتشكيل لجان متخصصة للحفاظ على هذه الانجازات الوطنية.

202681783_2905723199745155_7551947570294711234_n.jpg

Hameed Al-Attar: The Uninterrupted Questions of Art

Salah Abbas

Iraqi Critic

I find the work of Hameed Al-Attar engraved in my memories, those displayed in the galleries in Baghdad since the seventh decade of the past century. Those pieces were carefully created with such diligence and perfection, combining the fields of painting and sculpting. In his work, you will find that he emphasized some of the literary materials found in the literature of the Mesopotamian Culture.